Foundo

الأربعاء, 30 نوفمبر 2022
search

25 جويلية: الفرصة الضائعة و المآلات الغامضة

 نوال الدعوسي

لقد مثلت إجراءات 25 جويلية منعرجا هاما في الحياة السياسية في تونس نظرا لأهمية القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد في إطار قراءة موسعة للفصل 80 من الدستور. وقد شملت القرارات خاصة تعليق أعمال مجلس نواب الشعب مع رفع الحصانة عن كل النواب، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي. ولئن استبشر غالبية التونسيين بهذه القرارات الرئاسية نظرا لتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية وخاصة الصحية تحت حكم تحالف حكومي هجين تقوده حركة النهضة وحزب قلب تونس، فإن الآمال المعلقة على إجراءات 25 جويلية سرعان ما تحولت إلى خيبة أمل جديدة تنضاف لخيبات الشعب التونسي في العشرية الأخيرة.

لعل المحطة الأبرز في تعطيل مسار 25 جويلية هي صدور الأمر الرئاسي عدد 117/2021 الذي عبر عن نية واضحة للرئيس قيس سعيد في استغلال الهبة الشعبية المناصرة لإجراءات 25 جويلية لاتخاذ قرارات مصيرية وجوهرية تهم الشعب التونسي بشكل فردي وأحادي. ومن أهم هذه القرارات وأخطرها على الدولة هو تعليق العمل بالدستور – باستثناء التوطئة والبابين الأول والثاني منه- وإيلاء المراسيم الرئاسية الغير قابلة للطعن علوية قانونية فوق دستور البلاد، مما يمثل خرقا صارخا لأبسط القواعد القانونية. كان يمكن للرئيس سعيد أن يحافظ على مسار 25 جويلية بحسن استعمال الفصل 80 وذلك بتوفير الإمكانيات اللازمة لمقاومة استشراء الفساد السياسي وإنفاذ القانون ووضع حد لسنوات من الإفلات من العقاب. نعم كان بالإمكان الانطلاق في محاسبة الأحزاب السياسية المتطاولة على قوانين البلاد خاصة فيما يتعلق بجرائم التمويل الأجنبي، والتي تربطها علاقات مشبوهة بدوائر المال في الداخل والخارج. كان من الممكن تنقية المناخ السياسي وفتح باب الحوار في المسائل الجوهرية فيما يخص إصلاح المنظومة الانتخابية من أجل الوصول بالبلاد إلى تنظيم انتخابات تتوفر فيها الحدود الدنيا من النزاهة وتكافؤ الإمكانيات. لكن رئيس الدولة إخطار خوض المعركة الخطأ ألا و هي معركة الدستور و إرساء نظام سياسي خطير على الدولة.

 الآن وقد مرت 4 أشهر عن تاريخ 25 جويلية، لا تزال الرؤية منعدمة فيما يتعلق بملامح الفترة القادمة، فيما هل سيتم الدعوة إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها وفي أي إطار قانوني؟ هل سيتم حل البرلمان وكيف سيكون ذلك وبأي آليات؟ ما مدى شرعية ومشروعية الاستفتاء الإلكتروني المزمع القيام به؟ كل هذه الأسئلة تراوح مكانها ولا تجد أجوبة منذ 4 أشهر في ظل حالة من الضبابية والغياب التام لأي سياسة اتصالية لرئاسة الجمهورية التي تكتفي بنشر بلاغات جوفاء على صفحتها في موقع فايسبوك، شأنها شأن رئاسة الحكومة التي أصبح جليا أنها مجرد جهاز تنفيذي أو إدارة فرعية تتبع لرئاسة الجمهورية.

هيبة الدولة من هيبة مواطنيها، والدولة التونسية أو السلطة الحاكمة أصبحت تستكثر على المواطنين حقهم في المعلومة الواضحة بخصوص البرامج، الرؤى والتوجهات المصيرية للدولة. وإلا كيف يمكن لرئيس دولة محترم لكيانها ولمواطنيها أن لا يقوم بأي لقاء صحفي أو ندوة صحفية لتفسير مواقفه و توضيح رؤيته و الإجابة عن مختلف التساؤلات منذ 4 أشهر؟  كيف يمكن لرئيسة حكومة أن تلتزم هي بدورها الصمت منذ توليها لمنصبها؟ لم يسمعها الشعب التونسي مطلقا تتحدث أو تعبر عن موقف أو تدلي بأي تصريح كان. صمت قصري قرطاج والقصبة المطول والرهيب أصبح لا يطاق والصمت في هذه الحالة لم يعد يدل إلا على الفراغ والتشتت و انعدام الرؤية.

من المؤسف أن يكون قدر هذه البلاد أن تكون محكومة إما بحكام فاسدين وذوي مصالح شخصية ومالية، أو حاكم شعبوي حالم بعيد كل البعد عن المشاكل الحقيقية للبلاد وتعقيدات الواقع.  المؤكد أن الرئيس قيس سعيد يعيش حالة من التوحد السياسي تتعمق يوما بعد يوم وتزيد من عزلته السياسية حتى من قبل المساندين لمسار 25 جويلية. الرومانسية الحالمة لا يمكن أن تحل مشاكل البلاد المتراكمة و الهوس الطهوري و الاعتقاد بأن الجميع فاسد حتى يثبت العكس و احتكار صفات مثل  نظافة اليد و الصدق و الاستقامة، لا يمكن أن يساهم إلا في استفحال الأزمة وتعميق العزلة التي ستؤدي إلى الانفراد أكثر فأكثر بسلطة القرار.

سيدي رئيس الجمهورية، أين ما هبت رياح الشعبوية في بلد ما كانت مدمرة وغير ذات فائدة للمجتمعات وسببا في تقهقرها، والشعار المعتمد من قبلكم “الشعب يريد” لا يمكن أن يبرر التوجهات التي تنوون المضي فيها.  الشعب ليس وحدة متجانسة، ولا يمكن أن يكون هناك ناطق باسمه ما دام لا يعبر عن تعبيرة موحدة. مسار 25 جويلية قابل للاسترداد ما توفرت لديكم الإرادة لفهم الواقع وحسن استخدام أدوات الحكم واعتماد التشاركية كمنهج سياسي.  الحالة الاستثنائية لا يمكن أن تدوم أكثر خاصة مع بلوغ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وخاصة المالية مستويات غير مسبوقة تنبأ بمآلات خطيرة على الدولة التونسية.  مثل هذه الأزمات لا يمكن أن تدار بصفة أحادية. وهذا يعني ضرورة تشريك القوى الحية والفاعلة في المجتمع من منظمات وطنية وأحزاب سياسية لم تتورط فيما آلت إليه الأوضاع قبل 25 جويلية. مثل هذه الأزمات أيضا يجب أن تدار في كنف الشفافية والوضوح، مما يتوجب اعتماد سياسة تواصلية واضحة في علاقة بوسائل الإعلام التي من دورها البديهي إيصال وتبليغ المعلومة لكافة المواطنين.

الإصلاح يبقى ممكنا شريطة توفر إرادة للقطع مع سياسة الغموض والتعتيم والانفتاح على مختلف القراءات والرؤى من أجل وطن للجميع.

نوال الدعوسي
ناشطة في المجتمع المدني | Plus de publications

ناشطة في المجتمع المدني

نوال الدعوسي

ناشطة في المجتمع المدني